قد تبدوا الأبنية للكثير صروح من حجر و معدن و رمل، غير أنها في حقيقتها أعمق من ذلك بكثير، العِمارة ببساطةٍ تشكل حياتنا أفراد و مجتمعات، هل هذه الفكرة مجنونة؟ لا اعلم .. قد تبدو كذلك، لكنها في حقيقية لا خلاف فيها، يبني الإنسان مبناه التجاري أو منزله، و هو لا يفكر سوى في ذاته، لكنه يتفاجئ بعد حين، أن الناس بدأت في اتخاذ مبناه نقطة مرجعية، فإن سأل أحدهم الآخر عن منزل، أجاب بالقرب من المنزل ذو اللون الأحمر، أو ما شابه ذلك، حيث أن العِمارة ليست حجر و رمل في ذاتها، بل إن العِمارة حياة.

معنى العِمارة أو الـ Architecture لغةً يحمل أكثر من مضمون، و إن أخذنا على سبيل المثال قاموس أكسفورد، سنرى أن العِمارة قد تعني “تعبير عام يصف مبنًا أو منشئات ملموسة أخرى”، أو “فن و علم تصميم المباني و المنشئات”، أو “إدراك الفن و العلوم و التكنلوجيا و البشرية”، في حين أن المعماري التشيلي الشهير ألخاندرو أرافينا قد عرّف العمارة اصطلاحًا في إحدى مقابلاته الإذاعية قائلًا: “إن العمارة ليست بشيء سوى خلق إطار يشكل أسلوب حياة الناس”، فكيف يصبح فن و علم تصميم المباني شيئًأ مرتبطًا بحياة البشر هكذا؟

عرفنا العِمارة بتعقيداتها في حضارات بلاد ما بين النهرين، فقد صنع الآشوريون و البابليون و السومريون عِمارة أعمق من بناء الانسان الأول للمأوى، فقد انشأت هذه الحضارات مجتمعات متحرة و مدن خلابة، و أدركت قدرة العِمارة على التأثير، فأصبحوا ينتجون مبانٍ يكون هدفها أكبر، كبناء معبد يفوق حجم الانسان بعشرات الأضعاف، حيث يشعر المؤمن بالرهبة و الحضور، في حين يتم بناء القصر بأسوار عالية في أعلى المدينة محاطًا بأبراج مراقبة تذب الخوف و الرعب لدى الاعداء، هكذا أدركت تلك الحضارات قدرة تأثير العِمارة خارجيًا على المحيطين لها، في حين سعيهم كذلك لجعلها مبانٍ عملية تلبي احتياجات الانسان الحديث.

تابعت الحضارات -التي تلت ما سبق ذكره- في استخدام العِمارة كأداة تثير بعض الاحاسيس لدى مرتادي المدن، حتى أخذ الرومان الأمر لمستوىً جديد، حيث أوجد أحدهم قواعد عامة لضبط جمال البناء، و هي خصلة مهمة أُضيفت في جعبة العِمارة كما نعرفها اليوم، فصنع الرومان حضارة تخاطب عِمارتها بصر الانسان و احاسيسه، هذا كله بالاضافة لتطويرهم فن تخطيط و عِمارة المدن، و تصميم الأماكن العامة التي بدأت بدفع سكان المدن لإنجاز هوايات مختلفة، كالمسبح الروماني، المدرج الروماني، و المكتبة الرومانية، فقد أدرك المعماريون حينها أهميتهم في تشكيل حياة الناس.
فإذا قرر المعماري انشاء ملعب كرة قدم في حيّ صغير عى سبيل المثال، و صممه لاستيعاب عدد الأهالي كمساحة عامة للجميع، فهو بذلك يدفع الأهالي لعب كرة القدم حيث أنها مساحتهم للترفيه، إذًا … تشكيل البناء، و توزيع المساحات، و تحديد وظائفها، و تصميمها بشكل جميل، يؤثر في مشهد المدينة، احاسيس المرتادين و السكان، أنشطتهم، تصرفاتهم، و كل أمر له علاقة بصورة المدينة العامة و حياة الناس داخل بيوتهم، أليس هذا خلق إطارٍ يشكل حياة الناس؟ بلا شك! فالعِمارة فن و حرفة و مهنة تساهم في المجتمع بصورٍ شتّى، و هو أمر عجيب بالفعل.

 جعفر الحداد – 29 تموز “يوليو” 2017

Join the discussion One Comment

Leave a Reply